القاضي عبد الجبار الهمذاني

27

تثبيت دلائل النبوة

والمقاربة للمشركين ولأعداء الدين ، وأن الأنبياء يمدحون المشركين ويزكون أعداء الدين ويظهرون ذلك ، ويذمون المؤمنين ويتبرّءون من الأنبياء والمرسلين خوفا من المشركين ، ويزعمون أن حجتهم في ذلك فرار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم واستتاره في الغار ثلاثة أيام « 1 » . وقد بيّنا انه لا حجة لهم في ذلك ، بل هو الحجة عليهم ، وأن الذي اخرج الأنبياء إلى الفرار شدة المكاشفة ، وترك المقاربة ، وقائل هذا لا يثق بأفعال الأنبياء وأقوالهم ، ولا بتزكية من زكوه ، ولا بلعن من لعنوه ، لأنهم قد قالوا إنه قد يجوز ان يكون ظاهر الأنبياء بخلاف اسرارهم وضمائرهم ، وأيضا فان الأنبياء لا يجوز ان يكون ظاهرهم بخلاف باطنهم وإن خافوا وإن قتلوا ، وهذا أصل كبير فاعرفه . فإن قيل : ادعيتم ان أعداء نبيكم من قريش والعرب واليهود والنصارى حرضوا على قتله وهو بمكة ، وهو في تلك الحال من الوحدة والذلة وضعف الاتباع ، فمن أعطاكم هذا ، ومن سلمه لكم ؟ قيل له : ان من سمع اخباره واخبار القوم معه يعلم ذلك ، علما لا يرتاب به ، كما يعلم أنهم قد كذبوه وعادوه واغضبهم ما اتاه وشرعه ودعا إليه ، ولا فرق / بين من قال : انهم ما حرضوا على قتله ، وبين من قال : ولا كذبوه ولا عابوه ولا برئوا منه ، ولا أنكروا شيئا اتى ، ولا خالفوه ، وادعى انه هو أيضا ما خالفهم ، ولا عاب أديانهم وآلهتهم ، ولا ادعى النبوة ، ولا خالفهم في البعث والنشر . وقد حرضوا أيضا على ذلك وهو بالمدينة ، وأعداؤه فيها معه من العرب

--> ( 1 ) يقصد بهؤلاء الباطنية .